محمد عبد الله دراز
215
دستور الأخلاق في القرآن
نوعا من التّكليف يهدف إلى تسويغ نفس قواعد الأخلاق العامة ، بعد قطعها عن روابطها الدّينية ، أو الميتافيزيقية ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى نشهد لديه بعض الآراء الشّخصية عن نوع الحياة الفاضلة الّتي يفضلها الفيلسوف . إنّ ضمائر كثيرة مخلصة يمكنها أن تجتمع على الطّريقة الكانتية ، في رؤية المثل الأعلى الأخلاقي ؛ وهو أمر لا نناقشه ، ولكنا حين نختبر بعض صيغه الفرعية في علاقتها بمبدئه الأوّل - تبدو لنا ، إمّا دون رباط ضروري ، وإمّا سقيمة التّوافق معه . فأمّا كونها دون رباط ضروري ، فتلك هي حال الصّيغة الّتي تأمر باحترام الإنسانية في شخص الغير ، كما نحترمها في أنفسنا ، وذلك باعتبار الشّخصية الإنسانية غاية في ذاتها . إنّ من الممكن أن نسأل أنفسنا : لما ذا يحس العقل المحض ، وهو السّيد المستقل ، والمطلق ، بهذه الضّرورة في أن يحترم شيئا آخر دون ذاته ؟ أمن المعقول أن نعتبر غاية ما لا يكونها إلا جزئيا ، تلك الطّبيعة المختلطة ، المصنوعة من الشّيء ومن الفكر ، وهي في أصلها محسوسة أكثر منها معقولة ؟ ويبدو أنّ هذه الملاحظة لم تغب بكاملها عن الفكر الكانتي ، وربما كان هذا هو السّبب في أنّه قيد صيغته ، حين طلب معاملة الشّخصية الإنسانية على اعتبار أنّ مفهوم « العناية » لا يقتصر عليها وحدها ، بل ينطبق « في الوقت نفسه » على غيرها ، ولكن هذه الدّقة في التّعليل لا تلبث بكلّ أسف أن تضعف بمجرد أن نصل إلى تحديد الواجب العملي الّذي ينبع من هذا الاحترام .